عاجل
صحيفة أسيوط

السينما الإيطالية في مهرجان تورينو.. من تاريخ السينما للصناعة الأمريكية لكآبة الموت | رأي

25


في دورته التاسعة والثلاثين والمقامة في الفترة بين 26 نوفمبر و4 ديسمبر، قام مهرجان تورينو السينمائي بعرض عدد كبير من الأفلام الإيطالية، شكلت جزءًا مهمًا من برنامج المهرجان الذي تضمن هذا العام 181 فيلمًا منها 108 فيلمًا طويلًا و14 فيلمًا متوسطًا و59 فيلمًا قصيرًا، من بينها 68 عرضًا عالميًا أول و14 عرضًا دوليًا و4 عروض أوروبية و53 عرضًا إيطاليًا أول.

من بين الأفلام الإيطالية العديدة اختارنا ثلاثة أفلام جديدة، عُرضت جميعها خارج المسابقة الرسمية، يمكن من خلالها إعطاء لمحة عامة عن أبرز الأنماط السائدة في السينما الإيطالية المعاصرة، بين الأفلام الفنية المنتمية للمدرسة الأوروبية، وتلك ذات الطراز الأمريكي الجماهيري، وثالثة تنشغل بالتاريخ العريق للسينما الإيطالية محاولة مد جسر بينه وبين الحاضر.

نرشح لك: خاص زيارة لمتحف تورينو السينمائي.. الماضي والحاضر والمستقبل

لنتعرف في السطور التالية على ثلاثة من أحدث الأفلام الإيطالية في تورينو 39.

الفتاة في النافورة The Girl in the Fountain

الفتاة في النافورة

بالنسبة للحضور المحلي من الإعلام الإيطالي وجمهور مدينة تورينو كان عرض الفيلم الجديد للمخرج أنطونجويليو بانيتزى الحدث الأبرز خلال المهرجان، وذلك لأسباب عدة، أولها كونه فيلمًا إيطاليًا جديدًا يُعرض للمرة الأولى عالميًا وتلعب بطولته النجمة مونيكا بيلوتشي، ثم لحضور بيلوتشي نفسها والتي كرمها المهرجان هذا العام بمنحها جائزة نجمة المول Stella della Mole، والمسماة على اسم مبنى “مول أنطونيليانا Mole Antonelliana” مقر متحف تورينو للسينما ومركز المهرجان.

بيلوتشي تسلمت الجائزة قبل عرض الفيلم لجمهور ملأ قاعة العرض في مبنى “لينجوتو”، وهو الآخر مبنى تاريخي حوّله المعماري الإيطالي رينزو بيانو من كونه مصنعًا لشركة “فيات” للسيارات، ليكون تحفة معمارية تتضمن العديد من التفاصيل والمواقع المدهشة.

أما ثالث الأسباب فهو موضوع الفيلم نفسه، والذي يمزج فيه المخرج بين التسجيلي، عبر رصد رحلة الممثلة الشهيرة أنيتا إيكبرج، ملكة جمال السويد التي انتقلت إلى هوليوود بحثًا عن الشهرة، وصعدت سلم النجومية من أسفله حتى صارت أيقونة للجمال خلدها المخرج الأشهر فيدريكو فيلليني في فيلمه “لا دولتشي فيتا La Dolce Vita” بمشهد نافورة تريفي الذي أخذ الفيلم عنوانه عنه.

عبر لقطات أرشيفية ثرية، وشهادات شخصية على لسان أنيتا ومعاصريها، يروي الفيلم حكاية صناعة النجمة وحياة المرأة التي حملت مسيرتها نموذجًا مصغرًا لكل ما في عصر استوديوهات هوليوود الذهبي من سحر وألم. وبالتوازي، ينسج المخرج مسارًا روائيًا معاصرًا، تلعب فيه مونيكا بيلوتشي دور نجمة تستعد للعب دور أنيتا إيكبرج في أحد الأفلام.

بين الماضي الوثائقي والحاضر المتخيل يفتح أنطونجويليو بانيتزى حوارًا عابرًا للزمان والمكان، تتحدث فيه مونيكا مع آنيتا حول ثقل النجومية وثمنها، حول معنى أن تكون امرأة وأن تغدو نجمة وأن تتحول كلًا منهما تدريجيًا إلى أيقونة. حوار يحمل بعض الرطانة، ويتراوح في جودته بين أجزاء شيقة تنير نقاط غير مألوفة، وأخرى اعتيادية متوقعة في سياق تناظري كالذي يعرضه الفيلم.

سينمائيًا، قد لا يحمل “الفتاة في النافورة” الكثير من الدهشة رغم طموحه المرتفع، لكنه يظل وثيقة مهمة ومحاولة ذكية لعقد مقارنة بين نجمتين. فيلم ستحبه المهرجانات المتخصصة في تاريخ السينما والبرامج المهتمة بحكايات الأفلام films on films، ربما أكثر مما سيحبه جمهور مونيكا بيلوتشي نفسها!

مهربة الفيروس Trafficante di virus

مهربة الفيروس

مع نزول تترات البداية لفيلم المخرجة كوستانزا كواتريجليو المعروض خارج المسابقة في تورينو، ستلاحظ فورًا وجود جهات الإنتاج الإيطالية جنبًا إلى جنب مع منصة أمازون برايم الأمريكية أحد ممولي الفيلم، ومع مرور دقائق من الأحداث سيكون من السهل معرفة سر حماس المنصة الشهيرة لتمويل فيلم إيطالي، والتي تتلخص في كونه ملتزمًا بمعايير صناعة السينما الأمريكية أكثر من انتمائه للسينما الأوروبية.

فيلم تجاري متقن الصنع، يروي – بتصرف – القصة الحقيقية لإيلاريا كابوا (يتحول اسمها في الفيلم إلى إيريني)، الباحثة في مجال الفيروسات بأحد المعامل الإيطالية. معمل رغم شهرته المحلية إلا أنه يظل فقيرًا محدود الموارد والمعدات مقارنة بنظائره في العالم، يقل كثيرًا عن قدر الطموح الهائل الذي يسيطر على البطلة التي تبحث في مجال الفيروسات المنتقلة من الحيوانات إلى البشر، وتراقب الطفرات التي تجعل بعض السلالات أكثر أثرًا من غيرها.

يأتي الفيلم في موعده تمامًا، ليس فقط لما شهده العالم خلال العامين الأخيرين مع جائحة كوفيد 19، ولكن لأن عرضه في تورينو تزامن مع أنباء المتحوّر الجنوب أفريقي. المنتجون لم يعلموا بالطبع بأمر المتحور، لكن التحمس لإنتاج الفيلم لا يمكن إلا وأن يكون قد تأثر إيجابيًا بالجائحة، لا سيما مع احتواء مشاهده على حوارات علمية متخصصة، كانت قبل شهور بمثابة الألغاز فصارت اليوم قابلة للمتابعة من مشاهد يمتلك الحد الأدنى من المتابعة الإعلامية.

“مهربة الفيروس” سيرة علمية لكنه أيضًا قصة صعود وهبوط امرأة طموح يفوق واقعها، امرأة تمتلك منظومة قناعات وأخلاقيات خاصة تؤمن بها وتطبقها على عملها، حتى لو تضمنت تلك المنظومة مخالفة للأعراف السائدة في المجتمع العلمي. الأمر الذي عرّض الشخصية – في الواقع وفي الفيلم – لاتهامات خطيرة تتعلق بسمعتها العلمية أُخذ منها عنوان الفيلم.

الفيلم أمريكي الطابع تمامًا، بكل ما يحمله الوصف من مزايا وعيوب؛ فهو سريع الإيقاع، شيق وسهل المتابعة، لكنه في الوقت نفسه يهتم بظواهر الأحداث أكثر من النظر في داخل شخصية تمتلك قدرًا ضخمًا من التعقيد والتناقضات، تاركُا الأمر في العمق لمن يريد أن يبذل جهدًا في إيجاده، وأحيانًا في استنباطه. لكنه يظل عملًا يستحق المشاهدة، مرة لمستواه ومرة لتلائمه مع اللحظة الراهنة.

جسد صغير Small Body

‎صورة‎

واحد من أفضل الأفلام الإيطالية المعروضة في المهرجان، وفي السنة بشكل عام بعدما عُرض في أسبوع النقاد بمهرجان كان وفي مهرجاني تورنتو ولندن، وحاليًا في القاهرة، قبل أن يعرضه تورينو ضمن برنامج مخصص للأفلام التي دعمها معمل تورينو للأفلام Torino Film Lab. فيه تعود المخرجة لاورا ساماني في عملها الروائي الطويل الأول للعام 1900، لتروي خلاله قصة شديدة السوداوية عن علاقة امرأة بجثة وليدتها.

أجاثا شابة أقرب للمراهقة منها للأنوثة، يبدأ الفيلم بوضعها طفلة ميتة، وسط ظروف صحية بدائية يمكن من خلالها تخيل الكثير حول ما وصل بحملها إلى هذه النقطة المؤلمة. ترفض أجاثا الاستسلام لفكرة موت الوليدة دون أن يتم تعميدها، والذي يعني في الثقافة الدينية السائدة آنذاك أن تبقى روح الطفلة للأبد معلقة في البرزخ Limbo، دون الذهاب للفردوس أو إلى الجحيم.

تتعلق الأم الشابة بأمل وجود مكان أسطوري في الجبال يمكن فيه أن يعود الأطفال للحياة لالتقاط نفس وحيد يمكن خلاله أن يتم تعميدهم ليلجوا الحياة الأبدية، فتسرق جسد ابنتها الصغير وتضعه في صندوق خشبي يناسب حجمه، وتخرج في رحلة وسط الجبال الثلجية أملًا في بلوغ تلك البقعة السحرية.

يمكن من الملخص السابق أن نستنتج الكثير من الأفكار التي يقوم الفيلم بمسائلتها بجرأة شديدة، حول الفهم الأسطوري/ الديني للوجود والذي يدفع امرأة للاعتقاد بأن السماء قد ترفض جنينًا ولد ميتًا لأي سبب كان، حول المجتمع البطريركي وهيمنته على المرأة منذ طفولتها حتى ما بعد موتها، حول مفهوم الهوية الجنسية وجمودها، وحول الطبيعة وعنفها وصراع الإنسان معها، والتواصل الإنساني الذي تجده أجاثا ممثلًا في لينس، الفتى الذي تقابله في طريقها فيتطوع بالانضمام إليها.

تجيد لاورا ساماني رسم العالم الكابوسي لرحلة بطلتها المؤلمة جسديًا ونفسيًا، لتنسج حكاية كلمة السر فيها للجو العام ولبناء الشخصيات التي تقف وحدها في مواجهة كل شيء. وفي مسار البحث عن نجاة روح طفلة لم تعش في عالمنا ولو للحظة، تكتشف أجاثا ونكتشف معها المعنى الأعمق للنجاة.

اقرأ أيضا للكاتب:

السينما التونسية في أيام قرطاج السينمائية: تنوع وثراء.. وغياب للفيلم التحفة
الفيلم المصري المتوج في كان – “ريش”.. عن أب تحول دجاجة ومصائب أخرى
مسابقة كان 74 (5): أداءات تمثيلية مميزة في ختام أفلام المسابقة
مسابقة كان 74 (4): أصغر فرهادي وجاك أوديار وآخرين.. روائع المسابقة تتوالى

حمل آبلكيشن FilFan … و(عيش وسط النجوم)

جوجل بلاي| https://bit.ly/3c7eHNk

آب ستور| https://apple.co/3cc0hvm

هواوي آب جاليري| https://bit.ly/3wSqoRC

اترك تعليقا